الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

248

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالنصر يقصد منه دفع الغلب عن المغلوب ، فمتى كان الدفع أقطع للغالب كان النصر أفضل ، ويقصد منه دفع الظلم فمتى كان النصر قاطعا لظلم الظالم كان موقعه أفضل ، وفائدته أكمل ، فالنصر لا يخلو من مدحة لأنّ فيه ظهور الشّجاعة وإباء الضيم والنجدة . قال ودّاك بن ثميل المازني : إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم * لأية حرب أم بأي مكان ولكنّه إذا كان تأييدا لظالم أو قاطع طريق ، كان فيه دخل ومذمّة ، فإذا كان إظهارا لحقّ المحقّ وإبطال الباطل ، استكمل المحمدة ، ولذلك فسّر النّبيء صلى اللّه عليه وسلم نصر الظالم بما يناسب خلق الإسلام لمّا قال : « انصر أخاك ظالما ومظلوما » فقال بعض القوم : هذا أنصره إذا كان مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما ؟ فقال : « أن تنصره على نفسه فتكفّه عن ظلمه » . [ 151 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 151 ] سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ( 151 ) رجوع إلى تسلية المؤمنين ، وتطمينهم ، ووعدهم بالنّصر على العدوّ . والإلقاء حقيقته رمي شيء على الأرض فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ [ الشعراء : 44 ] ، أو في الماء فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ القصص : 7 ] ويطلق على الإفضاء بالكلام يُلْقُونَ السَّمْعَ [ الشعراء : 223 ] وعلى حصول الشيء في النفس كأنّ ملقيا ألقاه أي من غير سبق تهيّؤ وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ [ المائدة : 64 ] وهو هنا مجاز في الجعل والتّكوين كقوله : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ * [ الأحزاب : 26 ] . والرعب : الفزع من شدّة خوف ، وفيه لغتان الرعب - بسكون العين - والرعب - بضم العين - وقرأه الجمهور - بسكون العين - وقرأه ابن عامر ، والكسائي - بضم العين - . والباء في قوله : بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ للعوض وتسمّى باء المقابلة مثل قولهم : هذه بتلك ، وقوله تعالى : جَزاءً بِما كَسَبا [ المائدة : 38 ] ، وهذا جزاء دنيوي رتّبه اللّه تعالى على الإشراك به ، ومن حكمته تعالى أن رتّب على الأمور الخبيثة آثارا خبيثة ، فإنّ الشرك لمّا كان اعتقاد تأثير من لا تأثير له ، وكان ذلك الاعتقاد يرتكز في نفوس معتقديه على غير دليل ، كان من شأن معتقده أن يكون مضطرب النّفس متحيّرا في العاقبة في تغلّب بعض الآلهة على بعض ، فيكون لكلّ قوم صنم هم أخصّ به ، وهم في تلك الحالة يعتقدون أنّ